حيدر حب الله
268
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
- أي عندما يفقد العلمَ ويفقد الطرقَ الظنيّة المعتبرة شرعاً في اكتشاف موقف الشريعة الواقعيّة في هذه الواقعة المعيّنة - لا يستطيع أن ينسب للشريعة الإباحة ؛ لأنّ المفروض أنّه لا علم ولا ظنّ ( معتبر ) لديه يكشف عن موقف الشريعة هنا ، فنسبته الإباحة للشريعة هي قول بغير علم ، وهو لا يجوز ، فلعلّ الشريعة حرّمت هذا الفعل أو ذاك . وهنا يلجأ الفقيه إلى النصوص الدينية مجدّداً ، لتحدّد له موقفه حال جهله المطلق بالموقف الشرعي الواقعي ، فهنا يأتي حديث الرفع وآيات البراءة ، لتقول له بأنّك عندما لا تعلم حكمَ الله في الواقعة الفلانيّة ، فإنّ بإمكانك الفعل أو الترك فيها ، ولست محاسباً عن ذاك الحكم الواقعي في الواقعة حتى لو كان ذلك الحكم هو الحرمة وأنت فعلت ، أو الوجوب وأنت تركت ، وهذا الترخيص الذي تعطيه النصوص حالَ الجهل بالحكم الواقعي هو المسمّى بالبراءة ، وهو وإن كان ترخيصاً شرعيّاً ، لكنّه ليس إباحة واقعيّة ، ولهذا ميّزوا بين هذا الترخيص الآتي من أدلّة البراءة فأطلقوا عليه عنوان البراءة ، وبين ذاك الترخيص الآتي من واقع الشريعة فأسموه بالإباحة ، فالإباحة هي حكم الله الواقعي في هذه الواقعة ، بصرف النظر عن جهلي بهذا الحكم أو علمي ، فيما البراءة هي حكم الله الثانوي الذي يحكم لي بالرخصة في الفعل والترك في خصوص حالة انغلاق الأمور أمامي وجهلي بحكم الله الواقعي ، فالبراءة إباحة ظاهريّة والإباحة براءةٌ واقعيّة ، والتمييز بين الظاهر والواقع وبين مفاد الأمارات والأصول العمليّة ( براءة ، اشتغال ، استصحاب ، تخيير ) من النقاط المهمّة في بُنية الاجتهاد عند علماء أصول الفقه الإسلامي ، لا سيما الإمامي ، وإنّما تضاءل حجم هذا التمييز ومدياته في الاجتهاد السنّي نظراً لسعة تطبيق القياس وأمثاله الذي يمكنه أن